محمد سعيد رمضان البوطي
5
محمد ( ص ) على ألسنة الشعراء
- تقديم - آفة الشعر عندما يكون مدحا لغير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كثيرون هم الذين مدحوا قديما على ألسنة الشعراء ، من ملوك وخلفاء وأمراء وحكام . حتى غدا المدح موضوعا من أبرز موضوعات الشعر وأهمّ غرض من أغراضه . غير أن فن المديح في الشعر ، ظل ملازما لآفتين اثنتين ، لم ينفكّ الشعر بسببهما عن اضطراب وضعف . أولى الآفتين : الفجوة التي لا بدّ أن تظل قائمة تفصل بين طبيعة الشعر بحد ذاته ، وواقع الممدوح أيا كان شأنه . . ذلك لأن طبيعة الشعر هي الغلوّ والافراط في كل ما يصفه ويعبّر عنه ، وواقع الممدوح هو الاصطباغ بالنقص والضعف والأخطاء أيا كان ، بحكم كونه إنسانا لا تنفك عنه سمة النقص والضعف . والشأن في ذلك أن يضعف من جدّية الشعر وتأثيره على النفس ، ويفرغه من أكثر المضمون الذي يجمّله ويحببه . الآفة الثانية : أنّ الدافع للشعراء إلى المديح ، يتمثل في عوامل من الأطماع والآمال الخارجية أكثر من أن يتمثل في مشاعر صادقة من المحبة الداخلية . وإذا فرغ الشعر من صدق الشعور عاد صنعة كلامية وزخرفا لفظي . واقتصر طريقه إلى النفوس من هذه الزاوية وحدها غير أن هاتين الآفتين لا يبدو لهما أي وجود ، في الشعر الذي مدح به محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . أيا كان الشاعر ، وأيا كان واقعه وشأنه . ذلك لأن الشعر الذي يمدح به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، يتحرك ويعلو في ساحة الوصف والبيان كما يشاء ، دون أي غلوّ أو تكلف . ومهما أوغل الشاعر في الوصف وسما في المديح والاطراء ، لا يحسّ أنه اصطدم بحدود ، أو تجاوز الحقيقة إلى الخيال ، أو بالغ في الثناء . إن الشعر يغدو ، إذ يمدح به رسول اللّه ، كالثوب الذي يأتي على قدر لابسه . لا تجد في شيء من ذيوله أو أطرافه أي زيادة أو فضول .